حريّة أم عبوديّة؟

أحياناً كثيرة نرى أنفسنا، ضحيّة ظروف حياة لم نخترها ، مآس كنّا نتمنّى لو أنّها لم تحلّ بنا، كموت صديق أو مرض قريب، قد نجد أنفسنا في وضع فرض علينا كأن نخسر وظيفة نحن في أمسّ الحاجة لها أو أن يحترق منزلاً بنيناه بعرق الجبين. الحوادث كثيرة، منها صنع الإنسان ومنها وليدة الطبيعة كالزلازل ، البراكين والأعاصير. نقف أمامها مذهولين تنتابنا الحيرة. فتكون ردّة فعلنا إمّا بالهروب أو بالمواجهة أو بالنّكران فأين حريّة الإنسان في ظروف لم يخترها؟ أين حريّة الإنسان في ظروف فرضت عليه وبالتّالي أثّرت على مسار حياته ومصيرها.

لماذا فلان ولد في عائلة غنيّة محاطاً بالحبّ والدلال، هل نجاحه في الحياة صدفة أمّ أنّه مجرد ممثّل في فيلم اسمه “الحياة” فيها كلّ شيء مقرّر ومسيّر منذ البدء. نسمع قصصاً حقيقيّة مذهلة، أناس لمع نجمها بمقوّمات قد تكون أدنى من المطلوب ،تحدّوا المعتاد، قاوموا الممنوع ،أعادوا برمجة المسموح ونحو أهداف هم أرادوها لأنفسهم، وصلوا ووطأت أقدامهم اعلى القمم، فكيف كان ذلك؟

ما من دراسة علميّة قادرة أن تعطينا إجابة واضحة وصادقة، الآراء كثيرة والفرضيّات ليست بقليلة ولكن الجزم بهذا الموضوع يبقى من الأمور المستحيلة. في محاولة منّي لإيجاد جواب قررّت النّظر في ظروف حياة بعض الأشخاص تكاد أن تكون أكثر من صعبة .

–  كريستي براون : كاتب ورسّام

2.jpg

ولد في عائلة ذات دخل متوسّط، عانى منذ الولادة من شلل دماغي فكان دوماً بحاجة لعناية مستمرّة من والدته والمحيطين به، ولكنّه وبواسطة أصبع  رجله اليسار تمكّن من كتابة 9 روايات ورسم عدد من اللّوحات علماً بانّه لم يدخل يوماً إلى مدرسة. اشتهر عن رواية “my left foot  – قدمي اليسار” وهي تروي سيرة حياته، وقد تجسّدت لاحقاً بفيلم يحمل ذات العنوان.

– نيكولاس فوجيسيك :محاضر متنقّل ومؤسس منظمة الحياة بدون أطراف

Nick_Vujicic_speaking_in_a_church_in_Ehringshausen,_Germany_-_20110401-02

ولد نيكولاس عام 1982 في ملبورن أستراليا وهو يعاني من متلازمة نقص الأطراف الأربعة، وهي متلازمة نادرة الوجود يعاني المصاب فيها من فقدان الأذرع والأرجل كافّة، منع نيكولاس من الذّهاب إلى المدرسة وذلك بسبب القانون الّذي يمنع أصحاب الإعاقات من الالتحاق بالمدارس العامّة على الرّغم من كونه سليم عقليّاً وليس مصاباً بأيّ عيب عقلي. لاحقاً، تمكن نيك من الالتحاق بالمدرسة وأصبح من أوائل الاشخاص الذي طُبّق عليهم القانون الجديد بالسماح للمصابين بتشوهات خلقية بالالتحاق بالمدرسة وذلك حسب قانون ولاية كاليفورنيا.  عانى نيكولاس من الإحباط ،اليأس والوحدة بسبب اختلافه عن الآخرين وتعرّضه للسّخرية، إلّا أنّ نقطة التّحول في حياته أتت حينما عرضت أمّه عليه صورة لرجل مصاب بعجز حادّ إلّا أنّه يتعامل مع وضعه بسلاسة وصبر وتحمّل. فمن إنسان محبط وحزين تحوّل نيكولاس إلى إنسان مليء بالنّشاط والإيمان بالقدرة البشريّة مهما كانت الصّعاب.

بدأ نيك بتحدي اعاقته حيث تعلم الكتابة باستخدام اصابع قدمه الصغيرة الظاهرة في اسفل جذعه من الجهة اليسرى وتعلم استخدام الحاسوب والطباعة عليه وتعلم أيضاً رمي كرات التنس والعزف على الطبل “طبل الدوّاسات”، كما بدأ بالعناية بمظهره وكيفية الحلاقة وتصفيف الشعر والردّ على الهاتف وتنظيف الاسنان باستخدام الفرشاة كما تعلّم السباحة أيضاً.

وفي الصف السابع بدأ نيك بالتعاون مع زملاءه في المدرسة لتنظيم مخيمات بالتعاون مع الجمعيات الخيرية وحملات العجز والاعاقة، وفي سن السابعة عشرة تمكن من تأسيس منظمته الغير ربحية التي أطلق عليها اسم “الحياة بدون أطراف”

انتقل نيك من المدرسة إلى الحياة الجامعيّة حيث درس المحاسبة والتخطيط المالي، ليصبح لاحقاً ملهماً لعديد من النّاس عبر الخطابات التحفيذيّة الّتي قام بها وهي تحمل قضايا المراهقين عبر العالم.

– ليز موراي : أستاذة وخطّابة تحفيذيّة

3821

إليزابيت موراي ولدت عام 1980 من والدين مدمنين على تعاطي المخدّرات ، عن عمر لا يناهز الخامسة عشر وجدت إيليزابيت نفسها مشرّدة من دون سقف يحميها بعد أن كانت والدتها قد توفيت جرّاء إصابتها بمرض الأيدز – سيدا وانتقال والدها إلى ملجأ للمشرّدين، قضت لياليها على مقاعد المنتزهات وأحياناً في محطّات القطار إلّا أن ذلك لم يمنعها من قراءة الموسوعات، بفضل مثابرتها وإيمانها بضرورة العمل الشّاق للوصول إلى الأهداف، تمكنت ليز من ارتياد جامعة هارفرد. أصبحت ليز اليوم محاضرة تلهم الكثيرين بخطاباتها، كما وأنّها صاحبة شركة تساعد النّاس على القيام بشيء جديد في حياتهم.

كريستي بروان ، نيكولاس فوجيسيك وليز موراي هم أسماء لمعت واستطاعت أن تنجح رغم ظروف قد يكون من المستحيل أن ينجح من خلالها أحد، إنّ الظروف الحياتيّة الّتي أوجدوا فيها لم تكن من خيارهم بل هي ظروف فرضت عليهم فرض ولكن طريقة تعاملهم ومواجهتهم لتلك الظّروف هي الّتي أحدثت الفرق. الظّروف الحياتيّة ليست شرط للنّجاح أو الفشل. المعجزات قادرة أن تحصل وستحصل ولكنّ المكون الأساسي لذلك هو الإيمان. حريّة الإنسان تكمن في أفكاره، أيّاً كانت الظّروف ولو مهما بلغت بشاعتها، الخيار عندنا إمّا المواجهة أو الرّضوخ، فهنيئاً لمن اختار المواجهة في زمن كثرت فيه سبل الهروب.

نينات أبي عطالله

The Word – الكلمة

https://www.facebook.com/NinetteAbiAtallah/

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Create a free website or blog at WordPress.com.

Up ↑

%d bloggers like this: