حكم مؤبّد

أن نكتب من صميم القلب، بكلام الموجوع، الحزين، الفرح، العاشق، المجروح… بكلام بلا حدود ، كلام نصّته الرّوح، أجد ذلك من أصعب الأمور. قد يتقن المرء فنّ الكتابة والكلام، فنّ اللعب بالكلمات والخيال، قد يسهل عليه إطلاق أفكار جديدة ومغايرة للمعتاد، قد يسهل عليه خلق شخصيّات من ورق لها تاريخ، عقد وتجارب معيّنة جعلت منها ما هي اليوم عليه .قد يسهل عليه إستنساخ الواقع وإعادة برمجته، ولكن صعب وصعب جدّاً جعل الكلام والنّصح ،أسلوب حياة، لا يحتاج لتشابيه واستعارات لإيصال صوته.

أرى نفسي اليوم قادرة وبسهولة أن أنظر إلى أخطاء غيري وانتقادها، أخطاءٌ قد تكون من وجهة نظري  فقط كذلك، أرى نفسي قادرة على نعت الآخر بصفات وألفاظ أشكر ربّي بأنّها غير موجودة عندي.

أصدر الأحكام!

في الحياة، حاجات وتطلّعات تدفعنا أحياناً للتّصرف بشكل من الأشكال، بأسلوب “خاطئ” يشعرنا بالذّل، الخجل والقرف من أنفسنا، “ساعة تجربة”، “ساعة تخلّي”، “لا أدري لم فعلت ذلك، لم أكن في كامل وعيي، لم أكن أنا”… أقاويل كثيرة، تبريرات وحجج نعطيها لأنفسنا ، علّنا نشعر بالرّضى عن أنفسنا من جديد أو علّنا نعيد إرضاء غرورنا.  حينما كنت في المدرسة كنت من الأشخاص الّذين يتفادون رفع أيديهم لإعطاء إجابة خوفاً من أن تكون إجابتي خاطئة وفي معظم الأوقات كانت إجاباتي صحيحة وقد اخترت أن لا أعطيها صوت. بقيت هذه العادة معي حتّى كبرت ، فرُحت أتفادى الخطأ عبر الهروب، كان تركيزي دوماً نحو الصّواب، إلى أن أُعميت بصيرتي فلم أعد أرى بسبب حدود وهميّة أسّستها وبنيتها بنفسي لنفسي ،فكان الدّرس أن جاءني بأغرب الطُّرق، كان الهمّ والقلق يتآكلني في كلّ مرّة أُقدم فيها على القيام بأيّ شيء، حتّى الأمور الّتي أبرع فيها وأحبّها، إلى أن نظرتُ وأمعنتُ النّظر في الطّفولة.

كان هناك طفلة في السّادسة أو السّابعة من عمرها، تتعلّم رقص الباليه، طُلب منها أن تُحضّر رقصة لامتحان نهاية الفصل، وضعت الموسيقى وراحت ترقص على وقع أنغامها، ابتكرت خطوات وحفظتها فكانت النّتيجة أن تفوّقت على زميلاتها لا بل أن المعلّمة هنّأتها وأثنت على رقصها بسبب استعمالها خطوات متقدّمة نسبة لعمرها. سألتُ الفتاة كيف فعلت ذلك فأجابتني بأنّها لا تدري، لم تفكّر أو تخطط للموضوع هي فقط وضعت الموسيقى وتركتها تأخذها إلى حيثما تشاء، فأعادني الأمر إلى ذكرى عزيزة على قلبي، كانت أوّل مرّة أكتب فيها سيناريو فيلم قصير لصف المسرح كنت في حوالي العاشرة من عمري، أخذتُ قلماً وبدأت الكتابة لم أكن أعلم عمّا ماذا سأكتب ولكنّني كتبت وجئتُ بنتيجة ممتازة، فعلتُ ذلك لأني وجدت في الكتابة متعة ،لم أكن أكتب لأرضي أحد والخطأ لم يمرّ أبداً ببالي وقتها.

الأخطاء ممكن أن تكون عاطفيّة، عمليّة أو إنسانيّة، تختلف بمدى تأثيرها على الشّيء ، أبشعها الأخطاء العاطفيّة كالخيانة أو الإبتزاز مثلاً، كأن نبحث عن نقطة ضعف الآخر لنبتزّه بها أو أن نوهمه بمشاعر زائفة لننتقم منه أو بالأحرى من أنفسنا، بعض الأخطاء تأتي عن قصد وبعضها لا، ولكن وكما أنّ الخطأ “الإملائي” والقلم “الأحمر” يُبقي داخلنا ذكرى، كذلك الأخطاء تجاه بعضنا البعض. كنتُ في الخامسة عشرة من عمري على ما أظنّ، كان رائجٌ وقتها ال  msn ، كان من السّهل ومازال في ظلّ التقدم التكنولوجي أن نختبئ وراء شاشة لندّعي أننا أشخاص آخرين، أنشأتُ حساباً وهميّاً وأضفتُ شخصاً من باب التّسلية، وبدأنا بتبادل الرّسائل، وجدتُ أن ذلك الشّخص إنسان لطيف، كان لدينا الكثير من النّقاط المشتركة، لم يمرّ أكثر من أسبوع إلى أن بدأ يراودني الشّعور بالذّنب، كسب ثقة شخص عن طريق الكذب والإدّعاء، كان لا بدّ لي من أن أقول له الحقيقة، إحدى صديقاتي شجّعتني على إكمال الكذبة من باب التّسلية، غير أنني لم أستطع، فاعترفتُ بالحقيقة. طبعاً النّتيجة لم تكن إيجابيّة فلا أحد يحبّ أن يتمّ خداعه لكنّ تلك التّجربة علّمت فيّ وعلّمتني أهميّة الصّدق. بالرّغم من أنّني أقول دائماً أنّنا نحن نحدّد ما هو خطأ وما هو صحّ إلّا أن بعض الأخطاء الّتي تأتي جرّاء قلّة الحبّ هي أخطاء من الأفضل تفاديها ولكن حتّى لو حصلت، الحلّ الأمثل هو الإعتراف بالخطأ لكسر غرورنا، فقبل أن أستطيع  أن أحبّ الآخر وأتقبّله لا بدّ لي من أن أحبّ نفسي أولاً، لا بدّ من أن أنظر إلى نفسي وأتقبّلها بحقيقتها الكليّة، ببشاعتها ومساوئها للتّمكن من المضيّ قدماً نحو نسخة أفضل من ذاتي.

يسهلُ اليوم عليّ أن أقول لك أحبّك، وأنت لم تخطئ بعد بحقّي، ولكن المحبّة الحقيقيّة تأتي حينما أتخطّى ذاتي نحو تفكير يسمح لي أن أفهمك وأتفهّمك، وبالتّالي أسامحك وذلك من أصعب الأمور. بالرّغم من الأمور الإيجابيّة والجميلة الموجودة فيك تراني أنظر إلى عيبك فقط فأعيّرك به وأحكم عليك برفض مؤبّد. في العمر ما زلت صغيرة والطّريق أمامي طويلة أو قصيرة لا أدري  لكنّي أتوق إلى اليوم الّذي سيسكن فيّ حبّ يتكلّم من غير الكلام واليوم بدأت بتأسيس أولى أركانه.

The Word- الكلمة

https://www.facebook.com/NinetteAbiAtallah/

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Create a website or blog at WordPress.com

Up ↑

%d bloggers like this: